الأنظمة متعدّدة الوكلاء || Multi-Agent Systems (MAS)

إعداد: م. ماريّا حماده

التّدقيق العلميّ: م. نادية عبد الجواد

التّدقيق اللّغويّ: ضحى كاشور

 1. المقدّمة

بات التّطوّر التّكنولوجي، والتّحوّل الرّقمي، والأتمتة التّشغيليّة، والثّورة المعرفيّة والابتكار التّقني الرّيادي وغيرها كثير من المصطلحات، تُشكِّلُ دفّة القيادة المحورّيّة في حياتنا وأساس أيّ توجيهٍ وتعزيزٍ للاستثمار الإنتاجي ودعم الانتقال المرن نحو بيئة أكثر مهنيّة واستقلاليّة مع التّركيز على رفع كفاءة الأداء بتكلفةٍ ماليّةٍ وزمنيّةٍ أقل، ولكن، إن استوقفنا الفضول إزاء كلّ مجريات عالم التّطوّر هذا وتفاصيله، فسنرى أنّه إمّا نتاجٌ لمحاكاةٍ واقعيّةٍ ومفاهيميّة ضمن إطار تخصيصٍ جديد وإمَّا انغماسٌ جزئيٌّ / كلّيٌّ لمبادئ وأساليب من جهتين أو أكثر تتشاركان الرّؤى نفسها.

على سبيل المثال لا الحصر، ماذا لو تبنّينا مبدأ “في التّعاون قوّة”؟                                 

أليس حقًّا أنّ هذا المبدأ دعم التّطوّر التّنظيمي بدءًا من الفرد وصولًا لهيكلٍ تنظيميٍّ شاملٍ في القطاعات والمنظّمات والشّركات والمؤسّسات الحكوميّة المختلفة بما فيها المديريّات التّابعة لها أصولًا، مجسّدًا بالفعل روح التّناغم والتّنسيق العالي والتّنظيم الحقيقي بين المستويات التّعاونيّة، ومحقّقًا قوّةً تنفيذيّةً وإنتاجيّةً أعلى متفوّقًا بذلك على العمل الفردي؟!!

هذا تمامًا ما تطمح إليه “الأنظمة متعدّدة الوكلاء” (multi-agent systems) بوصفها “غزوًا” معرفيًّا جديدًا في الأوساط البحثيّة والتّقنيّة؛ ليس كـ وكيل (فرد) واحد وإنمّا كـ منظومات متخصّصة مستقلّة وشبكة من العقول الرّقميّة التّعاونيّة أكثر فاعليّة في معالجة المشاكل والتّحدّيات المعقدة في عصرنا الرّاهن.

2. ما الأنظمة متعدّدة الوكلاء إذن؟

يمكن النّظر إلى هذه الأنظمة -كما أشرنا سابقًا- بأنّها تجسيدّ عمليٌّ لقالبٍ تنظيميٍّ موحّدٍ بكلّ ما يُبنى عليه من إدارة عليا، وأقسامٍ تنفيذيّة، وسياسة عمل، واستراتيجيّاتٍ تسويقيّة وخططٍ تعاونيّة وآليّات تواصل ومراجعة، وحتّى أيضًا ما ينتج عنه من صياغة العقود، وإعداد التّقارير الدّوريّة، وتحليل البيانات واقتراح الأفكار التّطويريّة على المدى البعيد؛ أي بكلماتٍ أخرى: هي مجموعةٌ من الوحدات الوكيليّة المستقلّة (agents) أي الكيانات (entities) الّتي تتفاعل بين بعضها البعض ضمن بيئة عمل محدّدة؛ من أجل تبادل المعلومات وتأدية أدوارها التّخصّصيّة وفق إمكانيّات ومهارات كلٍّ منها، في سبيل تحقيق هدفٍ مشتركٍ أو حلّ مشكلةٍ ما بشكلٍ موزّعٍ.

3. نظرةٌ شموليّةٌ حول الأنظمة متعدّدة الوكلاء

بعد الاطّلاع على مفهوم هذه المنظومات التّعاونيّة وقبل الخوض في آليّة عملها، لابدّ لنا من التّطرّق بدايةً للحديث عن الإطار العام لها من هيكلٍ وبنيةٍ معماريّةٍ، ومكوّناتٍ بأدوار تخصّصيّة، تخدم طبيعة هذه الأنماط الهيكليّة على اختلافها، وتساعدنا في بناء صورةٍ شاملة الأركان حولها.

إنّ الأدوار والمسؤوليّات والمهام الوظيفيّة الموكلة لكلّ وكيلٍ ضمن الشّبكة وتفاعلاته المحدّدة؛ تستدعي تقسيم الأنظمة متعدّدة الوكلاء إلى أنواعٍ عدّة مختلفةٍ تُلخّصّ وفق الشّكل الآتي:

الشّكل (1): هياكل الأنظمة متعدّدة الوكلاء (MAS).
  • الهيكل متساوي المستويات (Equi-Level Structure): هنا يكون لكلّ وكيلٍ دوره واستراتيجيته الخاصّة ولكن من دون أيّ ميزةٍ هرميّةٍ تُلحق بأيٍّ منها، مثل النّظام الموزّع اللّامركزي. ومن ثمَّ إذا كان لدى وكلاء هذا النّمط أهدافٌ متشابهةٌ، فمن الطّبيعي أن يتمّ التّركيز على اتّخاذ قراراتٍ جماعيّةٍ وتقاسم المسؤوليّات بغية تحقيق هدفٍ مشتركٍ دون قيادةٍ مركزيّةٍ، وفي المقابل إن كان لديهم أهدافٌ متعارضةٌ عندها سيتمّ فتح طاولة التّفاوض والنّقاش بينهم في سبيل التّوصّل إلى حلولٍ نهائيّةٍ للمشكلة.
  • الهيكل الهرمي (Hierarchical Structure): هنا لكلّ وكيلٍ دورٌ مطابقٌ لمستوى تواجده الهرميّ أي سيكون لدينا قائدٌ (leader) للتّوجيه والتّخطيط، وواحدٌ أو أكثر من الأتباع (followers) الّذين ينفذون تعليمات القائد (السّلطة المركزيّة). ومن ثمَّ عمليّة صنع القرار ضمن هذا الهيكل ستأخذ طابعًا وترتيبًا تسلسليًّا بفضل الوكيل القائد المسؤول عن توليد المخرجات بشكل تعليماتٍ (instructions) مثلًا، وما ينتج عنها من اتّخاذ إجراءاتٍ (actions) موافقة لها من قبل الأطراف التّابعة.
  • الهيكل المتداخل (Nested Structure): أو ما يعرف بالبنية الهجينة (Hybrid Structure)، وهنا يمكن القول: ما دام يقع على عاتق بعض الوكلاء التّعامل مع مهام معقدة، فسيكون من الأجدر تقسيمها إلى مهام أصغر وإنشاء نظامٍ فرعيٍّ (sub-system) سواء أكان بهيكلٍ متساوي المستويات أم هيكلٍ هرميٍّ مع الاستعانة بالعديد من الوكلاء للمساعدة في إنجاز هذه المهام. عندها ستلعب التّفاعلات والتّداخلات المختلفة بين هذه الأنماط فضلًا عن عوامل تأثيرٍ خارجيّةٍ لها دورها في زيادة المستوى التّعقيدي للاستراتيجيّات والاستجابات.
  • الهيكل الدّيناميكي: (Dynamic Structure) هنا يكون لدينا عوامل قابلة للتّغير مع مرور الوقت ومتعلّقة بحالة النّظام، مثل: دور الوكلاء، عددها وعلاقاتها. ومن ثمَّ يمكن للوكلاء إعادة صياغة وتشكيل أدوارها وعلاقاتها ديناميكيًّا في استجابةٍ منها للظّروف المتغيّرة والمهام المطلوبة.

دعونا الآن ننتقل للحديث على نحو طفيفٍ عن أبرز ما يميّز المعماريّة الخاصّة بهذه الأنظمة من مكوّناتٍ، متمثّلة بــ: الوكلاء، البيئة وآليّات التّفاعل.

  • وكلاء النّظام (agents): أو كما يُقال لهم “الكيانات المستقلّة”، هي وحداتٌ تنفيذيّةٌ داخل النّظام مسؤولةٌ -وفق أدوارها وإمكانيّاتها ومسؤوليّاتها وأهدافها والمعلومات المتاحة لديها- عن وضع المهام والتّعليمات الموجهة لها حيّز التّنفيذ إلى جانب اتّخاذ القرار أيضًا. وبالطّبع يمكن أن يكون الوكلاء أيّ شيء بدءًا بالبرامج الحاسوبيّة (software programs) وبوتات الدّردشة (bots)، وصولًا للرّوبوتات (robots)، الطّائرات المسيّرة (drones) وحتّى أجهزة الاستشعار (sensors).

ولكن يبقى لدينا سؤال يطرح نفسه لتتّضح معالم المفهوم أكثر:

كيف يمكن للوكيل أن يستقلّ بذاته بحيث يحلّل ويفهم طلباتك كمستخدمٍ له ويتفاعل معك مستدعيًّا الأدوات والتّطبيقات البرمجيّة المناسبة للمهمّة المطلوبة مع الاحتفاظ الكامل بسياق المحادثة بينكما؟

وهنا تتبلور أهميّة المكوّنات الآتية لتسيير العمل ضمن الوكيل: 

الشّكل (2): مكوّنات وكيل الذّكاء الاصطناعي (AI agent).
  • نموذج المحادثة (chat model): أي نماذج اللّغة الكبيرة (large language Models = LLMs)، وهي بمنزلة العقل المدبّر وركن البناء الأساسي لوكيل الذّكاء؛ فبفضل قدراتها اللّغويّة يستطيع الوكيل فهم اللّغة وتحليلها وتوليدها، فضلًا عن الاستدلال والتّفكير والتّفاعل بما يُناسِب طلباتك. ومن أبرز نماذج الذّكاء الدّخيلة على حياتنا: نموذج جي بي تي (GPT) من شركة (openAI)، نموذج كلود (Claude) من شركة (Anthropic)، نموذج جيميناي (Gemini) من شركة (Google) ونموذج ديب سيك (DeepSeek) من شركة (DeepSeek) وتطول القائمة…
  • الذّاكرة (memory): يستطيع الوكيل الحفاظ على السّياق، والتّعلّم من التّجارِب، وتحسين استجاباته، أدائه، واستدلاله، واتخاذه للقرار باستدعاء تفاعلاته السّابقة المخزّنة في الذّاكرة والتّكيّف مع المواقف الجديدة. وهذا بدوره يقودنا للحاجة لوجود أنواعٍ عدّة من الذّاكرة بما فيها الّتي تضمن مشاركة المعلومات وتكاملها وإدارتها عبر الوكلاء كافة، مثل:
  1. الذّاكرة قصيرة المدى: (Short-term memory): هي ذاكرةٌ مؤقتة للتّفاعلات والمحادثات المباشرة. تُستخدم من نموذج اللّغة الكبير (LLM)، ولكنّها تنتهي بانتهاء المحادثة.
  2. الذّاكرة طويلة المدى :(Long-term Memory): وهي الذّاكرة المسؤولة عن تخزين الاستفسارات (queries) والاستجابات (responses) السّابقة؛ أي “سجلات المحادثات” (chat histories) من أجل دعم عملية الاستدلال للتّفاعلات المستقبليّة وتسهيلها؛ أي هي الأرشيف الخاصّ بك.
  3. ذاكرة تخزين البيانات الخارجيّة (External data storage): وفيها تُكامل نماذج اللّغة الكبيرة (LLMs) بأنظمة تخزينٍ للبيانات الخارجيّة مثل قواعد البيانات المتّجهيّة (vector databases)؛ لتثري هذه النّماذج استجاباتها بمعرفةٍ إضافيّةٍ تجعلها أكثر، دقّة وذات صلةٍ وارتباطٍ وثيقٍ بسياق استفسارك.
  4. ذاكرة الأحداث/الخبرات (Episodic Memory): تؤدِّي هذه الذّاكرة دورًا جوهريًّا في جعل آليّة الاستجابة أكثر دقة وتكيّفًا، عبر مطابقة استفسارك الحالي الجديد سياقيًّا مع التّفاعلات والأحداث والتّجارب السّابقة المخزّنة ذات التّسلسل الزّمني.
  5. الذّاكرة التّوافقيّة (Consensus Memory): وهي ذاكرةٌ تستخدم لتعزيز التّعاون الفعّال بين الوكلاء، بفضل عملها مصدرًا موحدًا للمعلومات المشتركة، مثل: المعرفة المتخصّصة في مجالٍ معيّنٍ.
  • الأدوات والتّكاملات الخارجيّة (external integrations & tools): هي مواردٌ خارجيّةٌ يستطيع الوكيل استخدامها والاستعانة بها في سياق إنجاز مهامٍ معقدةٍ من أجل التّفاعل مع بيئته تفاعلًا فعّالًا وتعزيز قدراته؛ إذ توفّر له الوصول للمعلومات الحديثة (up-to-date info)، معالجة البيانات والتّحكم أيضًا في الأنظمة الخارجيّة. من أمثلتها: قواعد البيانات (databases) وواجهة برمجة التّطبيقات (APIs).
  • البيئة (environment): هي مساحة العمل والتّفاعل المشتركة بين الوكلاء؛ إذ تؤمّن لهم الموارد وتفرض القيود وتفتح جسور التّواصل بينهم المقادة ببروتوكولات الاتصال. من الممكن لها أن تكون افتراضيّة، مثل: الشّبكة أو ماديّة، مثل: أرضيّة مصنع للوكلاء (الرّوبوتات).
  • بروتوكولات التّواصل (Communication protocols): لكي يستطيع الوكلاء تبادل المعلومات والتّواصل الفعّال فيما بينهم ضمن بيئةٍ مشتركةٍ تعاونيّةٍ، فلابدّ من وجود بروتوكولات تواصل أشبه بقواعد متّفقٍ عليها مسبقًا بين الأطراف تضمن لهم تحقيق ثلاثة مستوياتٍ، وهي:
  1. مستوى الفهم الدّلالي: المتمثّل بالاتّفاق على لغة تواصل مشتركةٍ (Agent Communication Language = ACL)، تحديد هويّة المرسل (sender)، ومستقبل الرّسالة (receiver)، والإجراء (action)، ومحتوى الرّسالة (message content)، فضلًا عن طبيعة الرّسالة ونوعها.
  2. مستوى تمثيل الرّسالة: المتعلّق بتحديد الصّيغة والتّنسيق الموحّد للرّسالة المرسلة، مثل: صيغة JSON أو XML.
  3. مستوى نقل الرّسالة: أي ذكر بروتوكول نقل وتبادل الرّسائل، مثل: بروتوكول HTTP أو MQTT.

4ما هي آليّة عمل هذه الأنظمة، وكيف يتمّ التّعاون والتّنسيق بين عدّة وكلاء؟

بعد أن اكتملت الصّورة الذّهنية لدينا حول مفهوم الأنظمة متعدّدة الوكلاء، وتكامل أدوار عناصرها، والوحدات المبنيّة عليها في الأساس الّتي تمنحها صفة الاستقلاليّة، وتعزّز قدراتها، وتهبها مزايا مساندة لها في الاستدلال، واتخاذ القرار وبعض الإجراءات التّنفيذية تجاه حالاتٍ محدّدةٍ، وحلّ المهام المعقّدة، وتوليد استجاباتٍ غنيّةٍ بالمعلومات وأكثر دقة، يمكننا رؤية أنّ كلّ ما يجري في هذه الأنظمة من أحداثٍ وتدفقٍ للبيانات يتمّ تحت إشراف نظام تفاعلٍ واتصال عالي التّنسيق والتّنظيم والتّخطيط والفاعليّة.

وهكذا، ستتضمّن استراتيجيّة العمل في هذه الأنظمة ما يأتي:

  • الإدراك: بملاحظة الوكلاء للتّغيّرات الحاصلة في بيئة عملهم المشتركة، وجمع البيانات.
  • الاستدلال واتخاذ القرار: بفعل الاستعانة بإمكانات النّموذج اللّغويّ الكبير المتمثّلة بالفهم اللّغويّ، والقدرة على وضع خطّة عملٍ لتحقيقٍ هدفٍ ما، وإمكانيّة التّفكير والاستدلال متعدّد الخطوات.
  • الإجراء: بتنفيذ الوكلاء إجراءاتهم المخطّط لها ضمن البيئة المشتركة.
  • التّفاعل: عبر التّواصل، والتّعاون، والتّنسيق والتّفاوض بين الوكلاء الّذي يشمل تمرير الرّسائل المباشرة وتبادل المعلومات.
  • التّنسيق: عبر عمل الوكلاء وفق مبدأ التّنسيق؛ إذ تقسّم المهمّة إلى سير عمل منظّم وموزّع بينهم، وتُسند لكلّ واحدٍ منهم أدوارٌ ومسؤوليّات موجهةٌ نحو تحقيق الهدف، فيما يختصّ المنسّق العام (orchestrator) بالتّحقّق من صحّة استدعاء الوكلاء وفق التّسلسل الصّحيح، وتدفق المعلومات بينهم، وتحقيق الهدف النّهائي.

5. أطر عمل الأنظمة متعدّدة الوكلاء

بالنّظر إلى ما تقدّمه هذه الأنظمة من تسهيلاتٍ، وقدراتٍ هائلةٍ، مع زيادة الإنتاجيّة ودعم صناعة القرار، نُشر عدد من أطر العمل (frameworks) للمبرمجين والمطوّرين تدعم مراحل عملهم، وتساعدهم في عمليّة بناء الأنظمة متعدّدة الوكلاء وإدارتها، وذلك بتوفير أدواتٍ تُسهم في التّصميم والتّنسيق ونشر الوكلاء المستقلّين.

  • ومن أكثر أمثلتها شيوعًا الأطر الآتية:
  • JADE (Java Agent Development Framework).
  • Mesa (Python).
  • Ray (Python).
  • AutoGen (Microsoft).
  • CrewAI.
  • LangGraph.
  • LangChain.

أمّا فيما يخصّ غير التّقنيّين الرّاغبين بخوض تجربة استخدامها والاستفادة منها في تجسيد أفكارهم ونمذجة مهامهم، فبالإمكان اللّجوء لاستخدام منصّاتٍ مرئيّةٍ تفاعليّة تُدمج معها كثيرًا من الأدوات والتّطبيقات والإعدادات المساعدة في تحقيق هدف البناء دون الحاجة لكتابة شيفراتٍ برمجيّةٍ معبّرةٍ عن الدور والهدف والمسؤوليّة والتعليمات والضوابط لعمل كلّ وكيلٍ داخل النّظام الذّكي (no-code platforms)، مثل: منصّة (n8n) و (MindStudio) و (Microsoft Copilot Studio).

6. المشاكل والتّحدّيات الّتي تواجه هذه الأنظمة

على الرّغم من الإمكانيّات الكامنة لدى هذه الأنظمة وخدماتها الكثيرة الّتي تعود علينا بالمنفعة والفائدة ورفع مستوى جودة إنجازنا، إلّا أنّها تعاني العديد من المشاكل التّقنيّة والأخلاقيّة والتّنظيميّة؛ ما يدفع لضرورة إيجاد حلولٍ لمعالجتها قبل محاولة نشرها على نحو موثوقٍ.

ونذكر فيما يأتي بعضًا منها:

  • التوافقيّة والموثوقيّة: وهنا تكون الأنظمة عرضةً لمجموعةٍ من أنماط الإخفاق، بما فيها الهلوسة (إنتاج مخرجاتٍ قد تبدو صحيحةً ظاهريًّا ولكنّها في الحقيقة عكس ذلك)، أمّا الانحراف عن الهدف فيقصد به (السّعي إزاء أهدافٍ فرعيّةٍ تتباعد كلّ البعد عن الهدف الأساسيّ المنشود).
  • الهجمات السّيبرانيّة والتّهديدات الأمنيّة: وهذا بسبب أنَّ الأنظمة قادرة على الوصول للبيانات الحسّاسة وتبادلها والإجراءات المترتّبة عليها؛ ما يستدعي أهميّة وجود ضوابط تقنيّة وأمنيّة قويّة تمنع سرقة هذه البيانات وتسريبها أو حتّى تخريب البنية التّحتيّة الرّقميّة لها.
  • الكفاءة الحسابيّة وزمن الاستجابة: تُعدُّ من العوائق المهمّة، ولا سيما في حال تطبيق الأنظمة في مجال الرّعاية الصّحيّة (healthcare)؛ إذ إنَّ الاستدعاءات العديدة المتسلسلة أو المتوازية لنماذج اللّغة من الممكن أن تخلق زيادةً في الكّلفة الحسابيّة وزمن الاستجابة الّتي قد يكون لها تبعيّات وعواقب سريريّة لو طبّقت.
  • تصميم سير عمل فعّال: وهذا تحدٍّ بالغ الأهميّة وذلك لضمان أن تكون مهام كلّ وكيلٍ قابلة للتّنفيذ بتعظيم الاستفادة من القدرات الفريدة الخاصّة بكلٍّ منها، وأن تسهم مباشرة في تحقيق الهدف العامّ للأنظمة.
  • إدارة الذّاكرة والتّخزين: تظهر هذه المشكلة عند حاجة الوكلاء لطلب بياناتهم الحسّاسة، ولكن بعيدًا عن وصول أجزاء أو وكلاء آخرين لها. ومن ثمَّ، فمن المهمّ جدًّا تطبيق آليّات قويّة للتّحكم في الوصول تأكيدًا لعدم إمكانية وصول وكلاء النّظام كافة لهكذا بيانات خاصّة بأيّ وكيلٍ.
  • تصحيح الأخطاء والتّقييم: فإنَّ تتبّع الأخطاء ضمن سلوكٍ غير حتميٍّ لوكلاء الشّبكة وداخل سير عملٍ متعدّد الخطوات يدعو إلى ضرورة وجود أدوات تقييمٍ معقّدةٍ ومتطوّرة.

7. هل يمكن لرائد الأعمال الاستفادة من هذه الأنظمة في أتمتة أفكاره وإسقاطها واقعًا تنفيذيًّا في السّياق السّوري؟

سؤالٌ قد يجوب أذهان الجميع للوهلة الأولى بعد معرفة هذه الأنظمة الذّكية الحديثة وما يتبعها من زخمٍ معرفيٍّ جديد. وقد تكون محطّة جذبٍ لنا تدعم إمكانيّتنا في تصميمها أو حتّى بنائها بمساعدة منصّات متخصّصة وأدوات جاهزة حيال الأمر، لاستهلاكها لاحقًا في سياق الواقع الّذي نعيش به ومتطلّباته الملحّة اليوم.

ووفقًا لذلك، يمكننا تأطير الإجابة بأنّ:

أيّ رائد أعمال / مدير مشروع / مستثمر / طبيب / باحث / أكاديمي على حدٍّ سواء -بغض النّظر إن كان يملك خلفيّةً تقنيّةً معرفيّةً حيال هذه الأنظمة أو لا- ولديه فكرةٌ رياديّةٌ ما فبإمكانه الاستعانة بهذه الأنظمة لترجمة أفكاره، وأتمتة خطوات تنفيذها مهما تعدّدت، وتكييفها لصالحنا سعيًا نحو أهدافنا.

وفيما يأتي اقتراحٌ لبعض الأفكار الابتكاريّة والرّؤى المستقبليّة الواعدة للأنظمة متعدّدة الوكلاء في السّياق السّوري:

  • دعم روّاد الأعمال في بناء شركاتٍ ناشئةٍ (startup) عبر تعاون فريقٍ من الوكلاء على سبيل المثال في تحليل الفكرة، ودراسة السّوق والمنافسين، وتحديد الجمهور المستهدف، وإعداد التّقارير الدّورية والماليّة، وصياغة العقود، واقتراح استراتيجيّة العمل، ووضع خطط إعلانيّة وتسويقيّة.
  • إنشاء منصّةٍ رقميّةٍ لدعم الابتكار الوطنيّ، تتغذّى على الأفكار / المشاكل المجتمعيّة وما يقابلها من حلولٍ مناسبةٍ لتحويلها مباشرة إلى خطّة عملٍ قابلةٍ للتّنفيذ على أرض الواقع تكون بمنزلة “حاضنةٍ ذكيّةٍ للأعمال”.
  • دعم التّحوّل الرّقمي والبنية التّحتيّة في سوريّا انطلاقًا من المساعدة في بناء مركز بياناتٍ وطنيّ ليس من أجل تخزين البيانات الوطنيّة الحسّاسة وحفظها، ومنع سرقتها وتسريبها وتخريبها فحسب؛ وإنّما أيضًا لرقمنة الخدمات الحكوميّة وأتمتتة الإجراءات وإدارة الموارد باستخدام الأنظمة متعدّدة الوكلاء.

8. الخاتمة

لم تعد تقنيّات الذّكاء الاصطناعيّ والمنظومات الرّقميّة الحديثة حكرًا على جهةٍ دون الأخرى، تمامًا مثل أنّها لم تعد مجرّد واجهةٍ جذّابةٍ تفاعليّةٍ ورفاهيّةٍ حتميّةٍ للفرد، بقدر ما أصبحت عليه الآن؛ ضرورة لابدّ منها ولا غنًى عنها. والأنظمة متعدّدة الوكلاء خير الأمثلة على ذلك بإعادتها صياغة وتشكيل هويّة الذّكاء الاصطناعي ليس بديلًا عنّا، بل كمساعدٍ لنا يمكننا من توظيف هذه الأنظمة بوحداتها التّعاونيّة في خدمة مشاريعنا واحتياجاتنا المحلّيّة، وتسريع عجلة الإنجاز، ودعم الابتكار الوطنيّ. وهذا من شأنه أن يخلق آفاقًا واسعةً في ريادة الأعمال والتّنمية الوطنيّة والتّحّول الرّقمي والرّعاية الصّحيّة والبحث العلميّ وغيرها كثير من المجالات التّي باتت تتطلّب تعاونًا منسّقًا بين الخبرة البشريّة والذّكاء الاصطناعي؛ لتحقيق أثرٍ مستدام داخل المجتمعات.

9. المراجع

0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like
Missing Vaue
اقرأ المزيد

الاستراتيجيّات الفعّالة للتّعامل مع القيم المفقودة في تحليل البيانات Effective Strategies for Handling Missing Values in Data Analysis

التدّقيق العلمي: د.م. حسن قزّاز، م. محمّد سرمينيالتدّقيق اللّغوي: هبة الله فلّاحةِ ما هي القيمة المفقودة Missing Value:…